10
كتبهامحمد عبد الله ، في 15 أكتوبر 2006 الساعة: 01:47 ص
… لو لم يفعل يبقى عبيط
استيقظ مبكرا كعادته .. تناول افطاره بكل هدوء .. وطلب من خادمته ان تحضر له فنجان القهوة فى غرفة المكتب ، ثم اغلق على نفسه الباب بالمفتاح واجرى عددا من الاتصالات التليفونية من تليفونه المحمول ليتأكد من ان اسمه لم يدرج على جهاز الكمبيوتر وانه ليس على القوائم السوداء .. ثم صعد الى غرفة نومه وارتدى ملابسه ، ولم ينس ان يقف امام المرآة ليتأكد من جودة صبغة الشعر التى يستوردها خصيصا من اوروبا .. فتح الخزنة الصغيرة المثبتة فى تجويف الحائط واخرج منها مجموعة من الاوراق المهمة ، وضعها فى حقيبة يده الصغيرة ثم نزل على السلم الداخلى لفيلته ليجد اسرته فى انتظاره ، صافحهم ببرود لم يندهشوا له فهم يعرفون ان الرجل يكاد يكون بلا مشاعر .. ثم انتحى بابنه جانبا وتحدث معه على انفراد لمدة 10 دقائق ، وكان سائقه الخاص قد انتهى من انزال الشنط الى السيارة التى جلس على مقعدها الخلفى بعد ان رفض ان يرافقه احد الى المطار ..
السيناريوهات المتوقعة للدقائق القادمة لم تكن تخرج عن احد امرين .. اما ان ينجح الرجل فى مهمته ، او ان يصادف عقبات تحول بينه وبين ركوب الطائرة المتجهة الى لندن .. وبرغم ان المكالمات الهاتفية التى اجراها قبل قليل كانت مطمئنة وتؤكد ان كل الامور ستكون على ما يرام الا انه كان يشعر بشىء من القلق والخوف .. شعور لم يعرفه من قبل ، ولم يتعود عليه ، طلب من سائقه ان يتوقف عند
بائع صحف فى طريق المطار .. كانت صوره فى كل الجرائد تقريبا ، فقد اصبح مشهورا فى يوم وليلة بعد البرامج التليفزيونية التى ظهر فيها والحوارات التى اجريت معه .. وكانت شهرته هذه سببا اكبر فيما يشعر به من خوف ..
وصل الى مطار القاهرة .. وقبل ان يغادر السيارة اوصى سائقه بان ينتظر منه مكالمة على الموبايل يقول فيها " كله تمام " وكانت هذه كلمة السر التى تؤكد انه اصبح بالفعل على الطائرة التى صعد اليها بعد ان وجد من ينهى له اجراءات سفره وهو جالس يتناول فنجان قهوته فىاحد مكاتب المطار ، ليتحرك السائق بعدها عائدا الى بيته ليطمئن اسرته بان الباشا خرج من مصر آمنا مطمئنا بعد ان قتل الاف الغلابة من ضحايا مركب الموت !
هرب الرجل بكل بساطة .. وهو الان فى لندن التى لن تسلمه لا هو ولا غيره حتى اذا صدر ضده حكم بالاعدام .
هنا .. لابد ان اعترف لكم باننى كنت ساذجا حين تصورت ان نفوذ الرجل لن يقيد الكارثة ضد مجهول ، او ان عقابا من اى نوع قد يناله .. والا فما فائدة النفوذ ؟!
و المدهش ان التصريحات التى اعقبت الهروب الكبير كانت تدور حول فكرة ان الرجل لم يكن ممنوعا من السفر ، فلماذا لا يسافر ؟! طبعا صح وكلام منطقى ولا احد يجروء على الاعتراض عليه .. لماذا لا يسافر ؟! بل ان الأمر غير المنطقى هو الا ينفد الرجل بجلده ، ولو لم يفعل ذلك يبقى " عبيط " اما لماذا لم يصدر قرار بمنعه من السفر .. ولماذا لم يتم التحقيق معه اصلا .. ولماذا لم يتم التحفظ على الاموال التى سافرت قبله بيومين .. ولماذا صرح وزير النقل بان تحليل بيانات الصندوق الاسود للمركب ستستغرق اربعة اشهر ..
لماذا والف الف لماذا .. والجواب كلمة واحدة ، عارفها والا انت كمان مبتعرفش ؟!
المهم .. فما حدث يجب الا يمر مرور الكرام - ومتتسرعش وتفهمنى غلط – انا هنا لا اقصد ان المسئولين عن هروب الرجل او الذين ساعدوه او طمأنوه حتى استقر على مقعده الفريست كلاس فى الطائرة ، يجب ان يعاقبوا لاسمح الله ، فالناس لم يفعلوا شيئا يلامون عليه .. بل راعوا اصول الصداقة ، ووقفوا مع صديقهم فى شدته ، ولو لم يفعلوا لكانوا فى نظرنا كلنا غلطانين ، ومعندهمش حق وملهمش صاحب ، وهو موقف لا نرضاه لاحد من الناس الكبار الذين نثق فيهم .. يعنى هو الصاحب ليه عند صاحبه ايه غير انه يلاقيه لما يتزنق ؟!
لكنى اقصد اننا يجب ان نغير الخطة يا سادة .. لابد ان تكون لنا استراتيجية مختلفة ،
انا مثلا عملت فيها بطل وكتبت عن المبادىء والقيم والاخلاق ، وطلبت منك ان تشاركنى فى ان نقول لا فى وجه من يقولون نعم للعرى والابتذال والانحطاط والفساد والذى منه ..
كنت اتصور – لسذاجتى – ان هذا هو الحل ، لكنى اكتشفت اننى بذلك اضرك اكثر مما انفعك ، ليه ؟
اقول لك : لان هذه القيم اصبحت موضة قديمة يجب الا تشغل نفسك بها .. والافضل ان تبحث لنفسك عن "ظهر" يحميك ويسندك ، اى "ظهر" وانت وشطارتك فكله بينفع على قد حجمه ، يعنى لوتعرف موظف كبير ممكن "يظبطك" .. ولو تعرف لاعب كرة حينفع فى حاجات كتير ولو ممثل ولا مطرب ميضرش .. ولو رقاصة يبقى كدة زى الفل .. لكن تقول لى الدراسة والشهادات والجوائز – حتى جائزة نوبل – فكل هذا يا صديقى كلام فاضى ، بدليل ان الدكتور زويل نفسه لم يتمكن من اقامة الجامعة التى كان يخطط لاقامتها فى مصر ووضعت امامه الاف العراقيل حتى لانتقدم .. وحتى يظل آخرون فى بلاد أخرى اكثر تفوقا فى العلم ، اما نحن فكفاية علينا كاس افريقيا وكاس السوبر ، عشان يبقوا "كاسين" فى صحة الباشا الذى يجلس الان خلف نار المدفئة فى شتاء لندن .. الهى يولع !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























